السبت، 12 مايو 2012

عتبات آب



عتبات آب ... تَدُقُّ الأبواب ... تمشي بِبُطءٍ قاتلٍ ... وَرَغمَ حَرِّه المُريب...  وقُرب مراسم قدوم السُّلطة ...أبَت إلَّا أن تخرُجَ هذهِ الروح لتُعانِق أحرارَ فِلسطين ... وتُقَبِّل ثراها الطًَّاهِر... ثرى القُدس!
                     *  *  *
رَغمَ الصِّعاب التي عانتها والِدتها أثناء الحَمل ... والمِحَن التي كادَت أن  تَفتِك بِها ... ومَخاض الوِلادة ... أتَت هذهِ الطِّفلة ذات الشَّعر الأسوَدِ الطَّويل ... "لا ستغرِب... نَعَم الطَّويل مُذ وِلادتها"
ونعومة ملامحها ...و اشراقة  وَجهِها ولَمسات يداها البَريئة .

مُنذُ سُوَيعاتِها الأولى والأيام ... كانَت تَبتَسِم وتغرِسُ في أعماقِ الأفئِدة حُبٌّ دَفين ... . تَلتها في سَنواتِها الثَّلاث الأولى مَرَحٌ وضَحِكٌ ذادَ لِهذا السِّحر الذي يجذِب من حَولها بِها ... .

طِفلتُنا تُدعى "قُدس" ... وَلَّدَ هذا الاُسم الوَلَع بالقدسِ مِنذُ نُعومة أظفارها ... فَعلى أعتاب وأشرافِ الانتفاضة الثَّانِية ... انتِفاضة الأقصى ... كانَت تَزال في الخامِسة مِن عُمرِها ... وكَعادة الأطفال تَرسُمُ وتَلعَبُ وتَتَأَمَّل ... ولكِن أَيُّ لَعب وأي رسم وأي تَأمُّل؟!
أما عَن رَسمها فَكانَت تَرسُمُ حَجراً ترسُمُ قُدساً تَرسُمُ طِفلاً يُقتَل ... وأَمَّا عن اللَّعبِ فاللهُ رَبِّي كَشَقاء الأطفال ولكِن بِشَراسةٍ وجُرأة! وأما التَّأمُّل , فَكانَت قدس تَجلِسُ أمامَ التِّلفاز بينَ أحضانِ أبيها ودفئه تَنظُرُ إلى طِفل يُقتَلُ بينَ أحضانِ أُمِّهِ , وإلى مَسجدٍ طاهِرٍ يُدَنَّس فَهُنا بَدأَت حِكايَتنا     ...     .
                      *   *   *

حِقدٌ يُوقَدُ لَهيبه في كُلِّ دقيقة وثانِية لَم تَنسى هذهِ المَشاهِد المُضنِية  التي تَمُرُّ في الأعيُنِ بينَ الفَيْنَة والأخرى ... فَبَدَأَتْ تَنبُغُ في القَضايا السِّياسِيَّة مُذ نعومة أظفارها ... ونَظارتها البريئة التي سُرعانَ ما تَحَوَّلَت إلى نَظَرات مِلؤُها الحِكمة والثِّقة والصَّلابة! ويَلُفُّها الذَّكاء مِن كُلِّ جانِب... التَزمَت الصَّلاة منذُ تَعَلَّمتها رغم بعض التقطيعات في البِداية التي يُعانيها الصِّغار لكِنَّها حافَظَت عليها ... وَبَدَأَت تَحفظُ كِتاب الله ولكِن جاءَت الطَّامَّة! ... رفيقات السُّوء! , أبعَدَت عن كِتابِ الله تَعالى رغم أخذِها شِهادات في بَعض الأجزاء... وَبَدَأَ وَقود الحِقد الذي يَشتعِلُ في القَلب يَتَناقَص!مَرَّت سَنَتان على هذا الحال ... حتى كادَ ماء مُغرِيات الحَياة أن يُطفِئ لَهيب الإيمان ... ولكِن! أن أنَّى لِهذا القَلب الذي تَعَلَّقَ باللهِ وحُب الشَّهادة ونَشأ على ذلِك أن تَنطَفِئ شَمعة الإيمان في داخِلة... نزعة الخير انتصَرَت على نَزعة الشَّر الضَّياع , نَعَم ... عادَ لِيَنبُض ويستذكر الله عز وجَل هذا القَلب الوَجِل ويتذَكَّر الوعد الذي قَطَعه على نَفسِه مُنْذُ زَمَن..." ديني وأُمَّتي وَبيت المَقدِس يُناديني ,,,فَهَلُمِّ بُنَيَّتي" .
           
                    *  *  *

عادَ اللَّهيب لِيحرق كُل فِتَن الشَّيطان الخنزَب...*
وَتَعود أيَّام قُدس الأولى ... جِد واجتِهاد وتَفَوُّق مَلحوظ , وبَرَعت في كِتابة ما في خُلجانِ نَفسها حتى تَكون أُولى قَذائِف المِدفَع والشَّرَرُ الذي يَقدح في القَلب والصَّدر .        ...*﴿الخزنَب : الشَّيطان﴾


رَأسٌ خَليلِيْ ,وَقَلبٌ مَقدِسِيْ؛ حيثُ كانوا يَسكُنونَ في البَلدة القَديمة في خليل الرَّحمن ... تَعَرَّضَت لِلتَّحَرُّشات والمُضايَقاتِ الكَثيرة مِن قِبَلِ المُستَوطِنينَ وجُنود الاحتلال الذين لا يَعرِفونَ جِنساً للرَّحمة وقَلبٌ مَقدِسِيْ في وَلائها  للقُدس .
                      *   *   *

-     هيَّا بِنا يا بَنات  نُصَلِّي الظُّهر في الحرم الإبراهيمِيْ قَبْلَ أن تَفوتنا الصَّلاة ... "قالَت قدس بَعد انتِهاء الدَّوام المَدرَسِيْ" .
-      حَسَنَاً ولكِن يا صَديقَتي أَلا تَعلَمينَ أنَّ القِرَدة يُغلِقونَ المَنافِذ التي تُؤدِّي إلى الحَرَم وَتَمنَع المُصلينَ مِنَ الدُّخول؟!
-     أي نَعَم ,,, زَمَنُ الجُبنِ وَلَّى وَأَنجَبَ زَمَن العِزّة "أجابَت قدس بِهُدوء وبابتِسامة رَقيقة"
-        ...   كَما تَشائين "الله يجيب العَواقِب سَليمة" .
عِندما اقتَرَبنَ مِنَ الحَرَم ,,, سَمِعنَ صَوتَ الرَّصاص يَتَلاطَم مَع صَوت لَطَمات الحِجارة ...
-     لا سَأَرجِع لَن أُكمِل هذا جُنون! " صَرَخَت إحداهما .
-      ... صَمَتَت لِبُرهة ولَم تُجِب ثُمَّ قالَت مَن يشاء العَودة فليَعُد أما أنا فَلا.
وَواصَلَت خُطواتها الواثِقة وتَراجَعت خُطُوات الأُخرَيات ... تَوَقَّفَت عِندَما اقتَرَبَت مِنَ المَشهَد  الذي اعتادَت على شَحذ نَفسِها عِندَما تَراه ...  .

-     "حَسَّان"؟! ماذا يَفعَل هذا الوَلَدُ المُتَهَوِّر؟
ما أحلمك يا رب! هذا الذي كُنتُ أظنّهُ دامِس القَلب ... يَمشي وَراء أهواءه!
وبعد بُرهة رأَت  حَسَّان مُمَدَّدٌ  في ساحات الحَرَم! .
صَرَخَت وَرَكَضَت رَغم زَخَّات الرَّصاص وَرَفَعَت رَأسه...
-     لا تَمُت! صَلابتنا كالرَّقيم ... "وَهِيَ تنظُر إلى عينيْ حَسَّان تارة ... وتارة الى صَدرِه المُثخَن بالدَّم.
-     قُدس ... تَعَلَّمتُ مِنكِ الرُّجولة ... لا تنسَيْ القُدس! ... "بِصَوتٍ خافِت وبِثُقلة وَهُوَ ينظُر إلى عينيها المُلتَهِبات لكِن ... كانَت الدُّموع تأبى إلَّا أن تَتَساقَط على وَجنَتَي حَسَّان ... .
شَهَقَ شَهقة ... ثًمَّ ابتَسَم ... وغادَرت هذهِ الرُّوح الطَّيِّبة هذا الجَسَد.

صَرَخَت صرخة ثُمَّ أمسكَتْ بِكَتِفَيْهِ وسَحَبَتهُ إلى مَكانٍ تَحتمي بِهِ مِن أنياب الثَّعالِب ... .
                      *   *   *
   مَرَّ يَومان ... وَقُدس تَحبِسُ نَفسَها في غُرفَتِها لا تُكَلِّم أحداً ... ولا تأكُل ... حتى لا تَذهَب إلى المَدرَسة ... رَغم أنَّها في مَرحلةٍ حَرِجة مِنَ الدِّراسة  
فَفي السَّنة القادِمة تَستَعِد لاستِقبالِ امتِحانات التَّوجيهي ... تُفَكِّرُ وَتُفَكِّر في كَلام حَسَّان ... تُقَلِّبُ كُل حرف مِن حُروفِ كَلِماتِه مُتَرامِيَة الأطراف... تَستَذكِرُ في رِحاب كَلِماتِه مَغزىً لِهذِهِ وَذاك ... . قَامَت فَجأة وأغلَقَت دَفتَر مُذَكَّراتِها ومَزَّقَت ورقة كُتِبَ عَليها ... "قَلب الأَحرار ... مقبرة الأسرار" أَبي وأُمِّي ...أُحِبُّكُما والسَّلام ونُقطة تَعتَرِضُ الطَّريق في نِهاية الكَلِمات.
وَخَرَجَت بَعد أن أخرَجَت مَسَدس أبيها القَديم التي تعلمُ جَيِّداً أينَ يُخفيه ...
                         *   *   *


     رائِحة ثَرى عَطِرة ... يَفوحُ الأريجُ مِن حيثُ تدري ولا تَدري ...
-     أوَّاه كَم اشتَقتُ للمَجيء إلى هُنا ... لَم آتي إلَّا وأنا في السابِعة من العُمر ... قَيَّدوا كُلَّ مَهووس ومُحِب لِهذهِ الجِبال ... لكِن﴿فإن تولوا فَقُل حسبيَ اللهُ لا اله إلَّا هُوَ عَلِيهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرشِ العَظيم  ...  .
إنَّها القُدس ... نَعَم فَقَد استقلَّت حافِلة وذَهَبَت إلى هُنا ... حتى وَصَلَت إلى بُؤر التَّفتيش للدُّخول إلى المَسجِد الأقصى   ...  
- ﴿وَجَعلنا مِن بينِ أيديهِم سَدَّاً وَمِن خَلفِهِم سَدَّاً فَأَغشَيْناهُم فَهُم لا يُبصِرون ... "قالتها بِيَقينٍ قاطِع وَسارَت   ...

-     أينَ الهِوِيَّة؟
-     ها هِيَ  ...
-      نعم ... نَعَم ؛ التَّصريح؟
-     تحت الهِوِيَّة أأُغشِيْت؟   ...  " بِلَهجة مُثيرة للاستِفزاز "   ... 
-      أُسكتي! إلى التَّفتيش
"فُتِّشَت وَخَرَجَت وكَأَنَّما لا يُوجَد شيء! " سُبحانَ الله مُخزِ الكافِرين ... ﴿ فانَقَلبوا بِنعمةٍ من الله وفَضْل لم يَمسَسهُم سوء ...
-     ﴿ إنَّ وليي الله الذي نَزَّلَ الكِتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحين ...  أَحمدُ الله .   " وَواصَلَت طَريقها بِخُطوات واثِقة  وَمُتُواضِعة حتى وَصَلَت إلى ساحَة المسجِدِ الأقصى" ... أخَذَت نَفَسَاً عَميقاً وَقالَت :
-     الله ما أروعَكِ!  ... "وَغَرقَت في غُذبَة النَّسيم الذي يُدَغدِغُ خَدّيْها وَيُداعِبُ ما تَبَقَّى مِن شُجَيْرات الصُنوبَر التي تَأبى أن تُقتَلَع ... وَبتِلكَ القُبَّة الذَهبيَّة التي تَخطِفُ الأنظار وتُسحِرُ القُلوب والأدمِغة ... حيثُ لا تَجِدُ صِوَرَ وَكَلِمات في قَواميسِها لِتُحَلِّلها وتَصِفُ بِها ما تُرسِله السَّيالات العَصَبية ... فَلَم وَلَن تَجِد شيءٌ يُيقِظُ العينانَ مِن هذا السِّحر الخَلَّاب  ... .
                          *   *   *
   استَغْرَقَت طَويلاً في تَمَعُّنِها ... لَكِن صَوت طِفلٍ يُسْتَصرَخ وأُمٌّ تَستَنجِد ... أَفاقَها وبِحِدَّة لِتَلتَفِتُ خَلفَها على بُعدِ عَشَرةِ أمتار ونِصف صَهايِنة ذَوِي القُبَّعاتِ السَّوْداء الصِّغار على رُؤوسِهِم ... وجَدائِل الشَّعرِ تَتَدَلَّى على أكتافِهم المائِلة ... إنَّهم ذَوي الأُنوف المُعوَجَّة! " المُستَوطِنون" يُمسِكون المَرأة وَيَجُرُّونها إلى حيثُ لا ندري ... مع استِغاثاتِها وصَرَخاتِ ابنها الصَّغير ... وهُم يَتَقَهقَرونَ بِأعلى أصواتِهم ... .

      لَم تَحتَمِل قُدس هذا المَنظَر المُؤلِم  ... قُوَّات الاحتلال تَنظُر إلى المُستَوطِنين ولا تُلقي بالاً ... ولا تُحَرِّكُ ساكِناً ...  أخرَجَت المُسَدَّس والشَّرَرُ يَقدَحُ في الأَعيُن الصَّغيرة ... والقَلبُ يجأر إلى اللهِ تَعالى ...
-     اللهمَّ إنك تعلمُ سري وعلانِيَتي فاقبَل مَعذِرَتي وتَعلَم حاجَتي فأعطني سُؤالي، وتعْلَمُ ما في نَفسي فاغفِر لي ذُنوبي ، اللهُمَّ إنِّي أسألك إيماناً يُباشِرُ قلبي ويقيناً صادِقاً حتى أعلم أنَّهُ لَن يُصيبَني إلَّا ما كَتَبته عليَّ والرضا بِما قَسَمته لي يا ذا الجَلالِ والإكرام  ...  .
"ثُمَّ صَوَّبَت فُوَّة المُسَدَّس على أحَدِ المُستَوطِنين وأصابَتهُ بِرَصاصة في صَدرِه ... وألحَقَت الطَّلَقة الأُخرى على صُهيونِيٍّ آخَر وأصابَته في رَأسِه ...
                   *   *   *
ها هُنا ... على صَدى حَفيف أشجار الصُّنوبَر المَقْدِسِيَّة الشَّجينة, وأَنَّاتِ القُدسِ الأسيرة  ... اختَرَقَت زَخَّة رَصاص جَسَد قُدس الطَّاهِر ... طلقة وراءَ أُختها!أربع ... خمس , سِت ... سَبع! ... سَقَطَ المُسدس مِن يدها لكِن ... قُدسٌ شامِخة في مَكانِها َتُقاوِم السُّقوط ... , بَدَت نَظرات العَجَب تَقتَحِم سِحَنَهم القَبيحة المَمزوجة بِلون الحِقد ... فَتَدارَكوها بِزَخَّة حتى أثخَنَت صَدرها  ... وَسَقَطَت على الأرضِ مُبتَسِمة وَسَبَّابتها شامِخة إلى السَّماء ... ﴿وإلهكم إلهٌ واحد لا إله إلَّا هُوَ الرحمنُ الرَّحيم ...
 وبعدَ مُرور أيَّام ... وأثناء تَقليب دَفتَر مُذَكِّراتها  قُرِئ مِن بينِ السُّطور كَلِمات تَشُّعُّ نوراً ...
-     " يا كاسي  العِظام لَحماً, ونشرها بَعدَ المَوت, ويا سامعَ كل صوت , ويا سابِقَ كل فوت ... أسألُكَ بأسمائِك العِظام , وباسمِك الأَعظَم الأكبَر المَخزون المَكنون الذي لم يطلع عليهِ أحَد من المَخلوقين. يا حليماً ذا أناة , لا يقدر على أناتِه أَحَد , يا ذا المَعروف الذي لا ينقطِع معروفه أبداً ولا نحصي له عدداً , افرِج عَنِّي  وَيَسِّر أمري ... وَوَفِّق أهلي , وارزُقني الشَّهادة في سَبيلِك .. مُقبِلاً غَيرَ مُدبِراً يا الله! ...  اللهمَّ اجعَل لي نوراً في قلبي , ونوراً في قبري , وَنوراً في سَمَعي, ونوراً من بين يديَّ ... أُمِّ الحَبيبة ... أبي الحَبيب ... يَقيني بأنِّي سأغدو شَهيدةً  بإذنِ اللهِ لَم يُفارِق مُهجَتي ,,,  وَثِقَتي باللهِ فوقَ كُلِّ ثِقة" ...  
-      " اللهمَّ اقذِف في قلبي رجاءك واقطَع رجائي عَمَّن سِواك حتَّى لا أرجو أحداً غيرك . اللهمَّ وما ضعفت عنه قُوَّتي , وقصر عنه عملي ولَم تنتَهِ إليهِ رَغبَتي ولَم تبلغه مسألتي , ولَم يجر علي لساني , مما أعطيت أحداً من الأوَّلين والآخرين من اليَقين , فَخُصَّني بِهِ يا أرحَم الراحِمين . اللهمَّ ارزُقني الشَّهادة  ... ولا تَجعلني ذليلةً أدعو سِواك ... والسَّلام ".
                        *   *   *
      وأُغلِقَ الدَّفتَر ... وَرَحَلَت قُدس ابنة السادسة عشر … ﴿فاستَجبنا له فكَشَفنا ما بِهِ مِنْ ضر ولكِن, بَقِيَت قُدسٌ  ابنة الخمسة عشر قَرناً  … وبَقِيَت قلــوب الأَحــرار … مَقْابِـــــر الأســرار    
قُدْس في زَمِن البُؤس©?!
  ÿ    
  
                ?  اسينات
















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق